هذا الرجل
هل سمعت عن شخص يبحث عن واسطة حتى يطرد من عمله من قبل؟ هذا انا!
القانون القديم يلزم بإكمال 5 سنوات خدمة في العسكرية حتى تعفى من التجنيد الالزامي، تم الغاء التجنيد الالزامي لكنهم تناسوا ان يلغوا هذا الشرط!، لذلك لم يتم قبول استقالتي لأنهم طالبوني بإكمال 10 شهور وكم يوم في الخدمة، لم يكن في نيتي العودة، لذلك بعد قليل من التفكير، قررت الغياب متوقعا ان يفصلوني بعد كم شهر، لكن المفاجـأه انني اكملت 8 شهور غياب واسمي لا زال يدرج ضمن الكشوفات، لم يكن لي خيار الا البحث عن واسطة تفصلني بعد كل هذا الغياب، اقترحوا على ان اذهب الى ذلك الرجل.
لم اره من قبل، كنت اسمع عنه منذ كنت طفلا، فهو يسكن بجوار منزل احد اقاربي، سمعت عنه الكثير، بدأ حياته في العسكرية وكيل عريف (وهي الرتبه التي بعد الجندي!) بشهادة متوسطه، اكمل تعليمه وهو عسكري، الثانوية وثم البكالريوس في الحقوق، وبعدها الماجستير ليصل لرتبه لواء!، وينهي الآن الدكتوراه في القانون العسكري كما سمعت، ارشدوني ان اذهب اليه، لعله ينهي مسألتي “البسيطه”، ذهبت مترددا، فقد كان الحديث عن الرجل خرافيا بعض الشيء، خصوصا اذا كان عن رجل في منصب مؤثر،.
كان هذا الرجل جزءا من الامل الذي كنت احمله قبل ان ادخل العسكريه، فإن استطاع ان ينهي كل هذا وهو عسكري فأنا استطيع ايضا، لكني نسيت ان هناك دائما استثناءات!
الساعه الثانية عشر، جررت اقدامي الى المصعد المؤدي للدور الرابع حيث مكتبه، خرجت من المصعد لأجد الممر فارغا الا من بعض الماره، وصلت لباب مكتب يزدحم عليه المراجعين، توقعت ان يكون هذا مكتب السكرتير وكل هؤلاء يبحثون عن طريقة للدخول عليه عندها وضعت الخيار الآخر لدي وهو العوده، فليس لي في الزحمة درب.
عند السؤال عرفت ان كل هذه الزحمة هي داخل مكتبه وليس مكتب سكرتيره، اقترح علي السكرتير الدخول لأن الزحام عند الباب فقط والجلوس في الداخل حتى يحين لي فرصة الحديث معه، دخلت.. مساحة المكتب كبيرة لدرجة ان الخمسون شخص تقريبا الذي يقفون في الداخل لم يستطيعوا ملئه!، اتخذت لي مكانا على احد المقاعد المواجهه لمكتبه وجلست اراقب.
يجلس على مكتبه الضخم في اخر القاعه ويقف المراجعون في كل مكان حوله، خلف المكتب وخلف كرسيه وعلى المقاعد، كل مكان!، جلست انظر اليه، طويل ذو وجه باسم لا يوحي بسنين عمره التى تعدت الستين، مليء بالنشاط، يحدث كبار السن فقط، يسأله عن مشكلته التى اتت به، ليرفع الهاتف ليحدث المسؤول عن المشكله ويوصي بحلها ومن ثم يقول ليمشي معه حتى يوصله لباب المكتب مودعا!، اغلب المشاكل لم تتعدى ان تكون تسريع معاملة ماتت في الادراج او اعادة عسكري مفصول، او قبول، او حتى تخفيف حكم..الخ.
لم تفارقه ابتسامته، وكلما اقترب منه احد الشباب، ابتسم له وقال (لننهي كبار السن اولا، فالشباب يستطيعون الانتظار، انا موجود لن اذهب)، و بين وقت لآخر يمر بي احد الاسيويين يحمل بيده صينيه عليها كل ما تشتهيه من عصائر، او شاي، او احدهم يحمل دلة قهوه، وحينما لا يراهم، ينادي للسكرتير ليسأل اين ذهبوا!، بدأ الناس يختفون، نظرت لساعتي واذا هي الساعه الثالثه!، لم يبق احد، الا انا واثنين من عمري لا يزالون على مقاعدهم، وهو يتحدث في الهاتف وهو ينظر لنا وكأنه ينتظر من احدنا الوقوف للحديث معه، انهى المكالمة ليقول، الا تودون الحديث؟، لم انتظر، قمت لاقترب منه، قام للسلام علي وسأل عن اسمي وكانت محادثه اقصر مما توقعت!
- هل انت غائب؟
- نعم
-لماذا؟
اريد ان ادرس ولم يقبلوا استقالتي
- كم مدة الغياب؟
8 اشهر
لم يكمل الاسئله، سحب ورقة صغيرة من دفتر على المكتب، ليكتب عليها “يحاكم ويسرح” ووقع عليها!، مد لي الورقة مبتسما وهو يتمنى لي التوفيق، اشار لي السكرتير عند باب المكتب وهو يأخذ مني الورقة ان الامر انتهى، علي ان اعود بعد يومين مرتديا ملابسي العسكرية حتى ادخل للمحكمة العسكرية!
يومها صدقت حكايات هذا الرجل، وكان يوما من ايام سعدي!
..
كتبت هذه الكلمات في شهر نوفمبر العام الماضي، لكنني وجدتها اليوم ووضعتها كما وجدتها!
..
.
والله انهمرت دموعــي
وانا اقرأ هذه السطور
:
ليست مأساة انسانيه
التي ادمعت عيوني
:
بل كم نحتاج من هؤلاء الرجال
لنبني كويت نظيفه !
:
اللهم ارحمنا .. واعيننا على ديننا ودنيانا
:
عذبي احسنت في كتابه ما كتبت
لزرع الامل في نفوسنا
ولتبني بين اعيننا مستقبل مشـرق
::
* لوهله خشيت ان اكمل ما كتبت
كل لا اقرأ في النهايه انه كان حلم ! *
أوراد
نحن بحاجة إلى خمسة من هذا الرجل، أحدهم يكون رئيس دولة والثاني رئيس الوزراء، والثالث وزير التعليم أما الرابع والخامس فضعهما في أي وزارة مهمة، يحتاجون فقط سنتين لإنهاء التعقيدات وحل المشاكل بعد ذلك يمكننا أن ننطلق لنبني مرة أخرى.
ما أحوجنا إلى أناس يرمون بكل التعقيدات “والروتين” خلف ظهورهم وينجزوا الأعمال للناس، إن كان الأمر يحتاج إلى كلمتين وتوقيع فلماذا يضطر المرء منا إلى استهلاك الساعات على إنجاز ورقة؟
اشكرك يا اخ عذبي على تذكرك القصه وعدم اهمالها ونشرها لنا لان هذه الشخصيات اولى ان نقتدي بها بطموحه وتحديه ونجاحه وباخلاقه ورقي تعامله في بلدنا الغالي هناك الكثير من امثال هذا الشخص الله يكثر من امثاله ويزيد من توقيع التسريحات من السلك العسكري لاننا نحتاج الا علم وحملة اقلام وكتب وليس لحملة بنادق
اوراد،،
الاجمل انه لم يكن حلما
شكرا لمرورك وتعليقك :)
عبدالله
اعتقد انهم موجودون في كل مكان، ولكن امثال هذه الرحل اما لا يحبون الاضواء، او ايأسهم الوضع!
شكرا لمرورك :)
عبدالرحمن،
كما قلت، هناك الكثير من امثال هذا الرجل، ولكن لماذا لا نراهم في اماكن اخرى يغيرون فيها للافضل!
السلام عليكم …
بوسعود رجل قل مثيله في هذا الزمان ……
كثر الله من امثاله …
تحياتي