جــوز بـنت الأستاذ وجدي
اذكر و انا في رابعه ابتدائي عندما حضر الاخصائي الاجتماعي ليطلبني من حصة العلوم ونحن في الصف ليقودني الى غرفة الاجتماعات في الاداره التي ادخلها لأول مرة، فوجئت بوجود عدد ليس بالقليل من وجوهاراها لأول مره من مدرسين وطلبه، كان الطلبة هم الجالسين حول الطاولة الكبيرة والمدرسين وقوف (وضع غريب لطفل في رابعه ابتدائي!) جلست في المكان الذي اشاروا اليه، كان هناك خمسة طلاب من مدرستي وانا احدهم، والبقية طلبة من مدارس مختلفه في نفس المحافظه، توزعت علينا دفاتر زرقاء تزيد عن الثلاثين صفحة بقليل بحجم ورقة الفلوسكاب القديمه (اكبر من الـ A4 بقليل)، طلب من فتح الدفتر والبدأ بالحل، حل ماذا، لا نعرف، فتحت الدفتر فقرأت في صدر الصفحة، اختبار الذكاء للصف الابتدائي المستوى الاول، انتهينا وعدت للفصل اتساءل عن نوعية الاسئلة الغريبة التي اراها لأول مره..
وتكرر الأمر في اليوم الثاني بعدد اقل من الطلبه ودفتر ازرق بصفحات اقل..
ونفس الامر في اليوم الثالث، ولكن في نهاية هذا اليوم لم نعد للصفوف، بقينا وخرج المدرسون والدفاتر، عاد المدرسين ليوزعوا جوائز على الفائزين، كنت فيها المركز الثاني! استلمت جائزتي بإبتسامة بريئة ساذجه على وجهي وقبله من مدرس العلوم “الاستاذ وجدي” ليخبرني انني حصلت المركز الثاني في مسابقة الطلبة المميزين على مستوى المحافظه، مشيت الى سيارة ابي مختالا بمشيتي وكأنني حصلت على جائزة نوبل للبراعم!، رنّت في اذني جملة المدرس وهو يقول لأبي ما حصل “جوز بنتي فاز بالمركز التاني”.
والغريب ان هذه الجملة لازمتني لخمس سنين حتى نهاية المرحلة المتوسطه بعد نقل المدرس للمرحلة المتوسطه معي.. فكان يدخل الصف في كل مره “جوز بنتي فين؟” ليراني جالسا في الكراسي الأخيرة في الفصل وما ان اقول “موجود” حتى يصدر اوامره لي بحمل طاولتي ووضعها في الصف الأمامي ليجبرني على متابعة الدرس بدلا من قراءة الكتاب وهو يشرح (كنت امل من الشرح فأقرأ الدروس القادمة في الكتاب، وان كنت انهيتها فأبدأ بقراءة كتاب الانجليزي!).
قبل رمضان، دخلت مدرسة اخي الثانوية لحضور اجتماع اولياء الامور فوجدته امامي.. الأستاذ وجدي بعد اكثر من عشر سنين على آخر مرة التقينا، عرفني ولم اعرفه، رغم لحيتي الغير مرتبه ومنظري في الغترة والعقال، مددت يدي لرجل الأمن ببطاقتي المدنيه لأسمع من خلفي من يقول، “عذبي.. اوعه تكون اتجوزت”، وكأن هذا الصوت يعود بي الى ايام الابتدائيه وهو يدخل على المكتبه يبحث عني بعد ان انتهت الفرصه وتأخرت على حصته ليراني بين الارفف ابحث عن مجلدات تان تان وميكي ماوس وحكايات عالميه فيصرخ بي “خدها وروح فصلك يا عزبي” فأركض الى الفصل خائفا من كفه الثقيل الذي يطاردني.
التفت فوجدته امامي، الاستاذ وجدي بعد ان غيرته السنين، لا يزال يحتفظ بجسمه الضخم الذي يهتز عندما يضحك عندما اقول كلام تأليف وانا امارس هوايتي بتبادل الابيات معه فكنت اقفّي اخر كلمة يقولها ببيت من ابيات الشعر المقررة علينا او مما احفظ..
سلمت عليه فوجدته نفس الشخص من قبل عشر سنين، نفس الضحكه والحزم في آن واحد، ونفس النظرة المخيفه عندما علم انني اصبحت عسكريا.. (وكان المحنق انه لا زال يعاملني كطالب!)..
خرجت من المدرسة وذكريات الاستاذ وجدي وهو يحلفني ان اكمل دراستي حتى لو كنت في مثل عمره..
لو قدّر لي ان استنسخ البشر، لأستنسخت هذا الشخص لأشكّل منهم مدرسة واكاد اجزم ان خريجيها سيكونون من المبدعين في كل المجالات..!
أعدتني لأيام الدراسة يا عذبي … مدرس التاريخ في الصف الثالث الإعدادي كان يقول لي في بعض الأحيان: لو طلبت إيد بنتي حوافق على طول، أو جملة بنفس المعنى.
فعلاً مثل هؤلاء الأساتذة يستحقون التكريم والاستنساخ :-) … فعلاً ذكرياتك جميلة مع الأستاذ وجميلة هي الوصية التي أوصاك بها.
ذكرتني بالاستاذ خميس ونصائحه لي عن الغربه …. قالي اكثر من 50 نصيحه … مع العلم قالي تعال خل اقولك 10 نصايح! الله يذكره بالاخير كانت اغلب نصايحه اتدور في محور واحد الصلاة واني اكون قريب من الله … وفي هذاك اليوم كان امجمع جميع المدرسين اللى كانوا يدرسوني في بيتهم بس على شان انسلم على بعض ( المدرسين اللي كنت امطلع الشيب في راسهم ) يوم ما اقدر انساه صراحه
عبدالله ::
في كل مرحلة دراسية يرسخ في اذهاننا مدرس نتمنى عندها ان يكون كل مدرسي العالم نسخة منهم..
ايام جميلة دائما.. ولن انسى وصيته ابدا :)
امين ::
استاذ خميس من هذي النوعية من المدرسين اللي ما تقدر تنساهم.. لي عودة معه انشالله بموضوع مطول